محمد جمال الدين القاسمي

16

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وجلّ ما يوجد له من ذلك ما كان منه اتباعا لأهل بلده ، كإبراهيم النخعيّ وأصحاب ابن مسعود . إلا أنه أغرق هو وأصحابه في تنزيل النوازل ، والجواب فيها برأيهم واستحسانهم . فأتى منهم في ذلك خلاف كبير للسلف . ثم قال : وما أعلم أحدا من أهل العلم إلا وله تأويل في آية ، أو مذهب في سنة ، ردّ من أجل ذلك المذهب سنة أخرى بتأويل سائغ ، أو ادعاء نسخ . إلا أن لأبي حنيفة من ذلك كثيرا ، وهو يوجد لغيره قليل . وعن الليث بن سعد أنه قال : أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة كلها مخالفة لسنة النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، مما قال مالك فيها برأيه . قال : وقد كتبت إليه أعظه في ذلك . هذا كلام ابن عبد البر ملخصا . وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض فتاويه : أنه روى عن عليّ وزيد أنهما احتجا بقياس ، فمن ادعى إجماعهم - أي الصحابة - على ترك العمل بالرأي والقياس ، مطلقا فقد غلط ، ومن ادعى أنه من المسائل ما لم يتكلم فيها أحد منهم إلا بالرأي والقياس ، فقد غلط ، بل كان كل منهم يتكلم بحسب ما عنده من العلم ، فمن رأى دلالة الكتاب ذكرها ، ومن رأى دلالة الميزان ذكرها - انتهى - . وقال ابن تيمية رحمه اللّه في فتوى أخرى : والصحابة كانوا يحتجون في عامة مسائلهم بالنصوص كما هو مشهور عنهم ، وكانوا يجتهدون رأيهم ويتكلمون بالرأي ، ويحتجون بالقياس الصحيح أيضا . والقياس الصحيح نوعان : أحدهما : أن يعلم أنه لا فارق بين الفرع والأصل إلا فرقا غير مؤثر في الشرع ، كما ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم في الصحيح « 1 » أنه سئل عن فأرة وقعت في سمن ، فقال : ألقوها وما حولها ، وكلوا سمنكم . وقد أجمع المسلمون على أن هذا الحكم ليس مختصا بتلك الفأرة وذلك السمن ، فلهذا قال جماهير العلماء : إنه أيّ نجاسة وقعت في دهن من الأدهان كالفأرة التي تقع في الزيت ، وكالهرّ الذي يقع في السمن ، فحكمها حكم تلك الفأرة التي وقعت في السمن . ومن قال من أهل الظاهر : إن هذا الحكم لا يكون إلا في فأرة وقعت في سمن ، فقد أخطأ ، فإن النبي صلى اللّه عليه وسلّم لم يخص الحكم بتلك الصورة ، لكن لما استفتى عنها أفتى فيها ، والاستفتاء إذا وقع عن قضية معينة أو عن نوع ، فأجاب المفتي عن ذلك ، خصه لكونه سئل عنه ، لا لاختصاصه

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : الذبائح والصيد ، 34 - باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب ، حديث 175 ونصه : عن ابن عباس عن ميمونة رضي الله عنهم قالت : سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم عن فأرة سقطت في سمن ؟ فقال « ألقوها وما حولها ، وكلوه » .